أحمد بن محمد القسطلاني
54
ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري
تردد عندي أن الحديث يتناول الأقوال أيضًا باعتبار افتقارها إلى النية بناء على أن المراد إنما صحة الأعمال ، فممنوع بل الأذان والقراءة ونحوهما تتأدّى بلا نية . وإن أراد باعتبار أنه يُثاب على ما ينوي منها ويكون كلامًا فمسلم ولكنه مخالف لما رجحه من تقدير الصحة . فإن قلت : لم عدل عن لفظ الأفعال إلى الأعمال ؟ أجاب الخويّي بأن الفعل هو الذي يكون زمانه يسيرًا ولم يتكرّر ، قال تعالى : { أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ } [ الفيل : 1 ] وتبين لكم كيف فعلنا بهم حيث كان إهلاكهم في زمان يسير ، ولم يتكرر بخلاف العمل ، فإنه الذي يوجد من الفاعل في زمان مديد بالاستمرار والتكرار . قال الله تعالى : { الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ } [ البقرة : 25 ] طلب منهم العمل الذي يدوم ويستمر ويتجدد كل مرة ويتكرر لا نفس الفعل . قال تعالى : { فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُون } [ الصافات : 61 ] ولم يقل يفعل الفاعلون ، فالعمل أخص . ومن ثم قال الأعمال ولم يقل الأفعال ، لأن ما يندر من الإنسان لا يكون بنية لا أن كل عمل تصحبه نية . وأما العمل فهو ما يدوم عليه الإنسان ويتكرر منه فتعتبر النية اه - . فليتأمل . والباء في بالنيات تحتمل المصاحبة والسببية ، أي الأعمال ثابت ثوابها بسبب النيات ، ويظهر أثر ذلك في أن النية شرط أو ركن ، والأشبه عند الغزاليّ أنها شرط لأن النية في الصلاة مثلاً تتعلق بها فتكون خارجة عنها ، وإلاّ لكانت متعلقة بنفسها وافتقرت إلى نية أخرى ، والأظهر عند الأكثرين أنها من الأركان ، والسببية صادقة مع الشرطية وهو واضح لتوقف المشروط على الشرط ، ومع الركنية لأن بترك جزء من الماهية تنتفي الماهية . والحق أن إيجادها ذكرًا في أوّله ركن واستصحابها حكمًا بأن تعرى عن المنافي شرط كإسلام الناوي وتمييزه وعلمه بالمنوي ، وحكمها الوجوب ومحلها القلب ، فلا يكفي النطق مع الغفلة . نعم يستحب النطق بها ليساعد اللسان القلب ، ولئن سلمنا أنه لم يرو عنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ولا عن أحد من أصحابه النطق بها لكنا نجزم بأنه عليه الصلاة والسلام نطق بها لأنه لا شك أن الوضوء المنوي مع النطق به أفضل ، والعلم الضروري حاصل بأن أفضل الخلق لم يواظب على ترك الأفضل طول عمره ، فثبت أنه أتى بالوضوء المنوي مع النطق ، ولم يثبت عندنا أنه أتى بالوضوء العاري عنه . والشك لا يعارض اليقين ، فثبت أنه أتى بالوضوء المنوي مع النطق ، والمقصود بها تمييز العبادة عن العادة أو تمييز رتبها ، ووقتها أوّل الفرض كأوّل غسل جزء من الوجه في الوضوء ، فلو نوى في أثناء غسل الوجه كفّت ووجب إعادة المغسول منه قبلها ، وإنما لم يوجبوا المقارنة في الصوم لعسر مراقبة الفجر . وشرط النية الجزم فلو توضأ الشاك بعد وضوئه في الحدث احتياطًا فبان محدثًا لم يجزه للتردد في النية بلا ضرورة ، بخلاف ما إذا لم يبن محدثًا فإنه يجزيه للضرورة . وإنما صح وضوء الشاك في طهره بعد تيقن حدثه مع التردد لأن الأصل بقاء الحدث . بل لو نوى في هذه إن كان محدثًا فعن حدثه ، وإلا فتجديد صح أيضًا ، وإن تذكر . نقله النووي في شرح المهذب عن البغوي وأقرّه . ( وإنما لكل امرئ ) بكسر الراء لكل رجل ( ما نوى ) أي الذي نواه أو نيته ، وكذا لكل امرأة ما نوت لأن النساء شقائق الرجال . وفي القاموس والمرء مثلث الميم الإنسان أو الرجل ، وعلى القول بأن إنما للحصر فهو هنا من حصر الخبر في المبتدأ ، أو يقال : قصر الصفة على الموصوف لأن المقصور عليه في إنما دائمًا المؤخر ، ورتبوا هذه على السابقة بتقديم الخبر وهو يفيد الحصر كما تقرر ، واستشكل الإتيان بهذه الجملة بعد السابقة لاتحاد الجملتين فقيل تقديره وإنما لكل امرئ ثواب ما نوى ، فتكون الأولى قد نبهت على أن الأعمال لا تصير معتبرة إلا بنية ، والثانية على أن العامل يكون له ثواب العمل على مقدار نيته ، ولهذا أخّرت عن الأولى لترتبها عليها . وتعقب بأن الأعمال حاصلة بثوابها للعامل لا لغيره فهي عين معنى الجملة الأولى ، وقال ابن عبد السلام : معنى الثانية حصر ثواب الإجزاء المرتب على العمل لعامله ، ومعنى الأولى صحة الحكم وإجزاؤه ولا يلزم منه ثواب ، فقد يصح العمل ولا ثواب عليه كالصلاة في المغصوب ونحوه على أرجح المذاهب ، وعورض بأنه